محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
155
الآداب الشرعية والمنح المرعية
قال ابن عبد البر : وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح لما فيه من ذميم العاقبة ، ومن التوصل إلى الأعراض واستحلاب الضغائن وإفساد الإخاء . كان يقال : لكل شيء بدء وبدء العداوة المزاح ، وكان يقال : لو كان المزاح فحلا ما ألقح إلا الشر ، قال سعيد بن العاص لا تمازح الشريف فيحقد ، ولا الدنيء فيجترىء عليك . وقال ميمون بن مهران : إذا كان المزاح أمام الكلام ، فآخره الشتم واللطام ، وقال جعفر بن محمد : إياكم والمزاح فإنه يذهب بماء الوجه ، كان خالد بن صفوان يكره المزاح ويقول : يسعط أحدهم أخاه بأحر من الخردل ، ويفرغ عليه أشد من غلي المرحا ، ويقول مازحته . وقال إبراهيم النخعي : لا يكون المزاح إلا في سخف أو بطر . السخف بضم السين رقة العقل ، وقد سخف الرجل بالضم سخافة فهو سخيف مثل حامقته . قال أبو هفان : مازح صديقك ما أحب مزاحا * وتوق منه في المزاح مزاحا فلربما مزح الصديق بمزحه * كانت لباب عداوة مفتاحا وقال آخر : لا تمزحن فإذا مزحت فلا يكن * مزحا تضاف به إلى سوء الأدب واحذر ممازحة تعود عداوة * إن المزاح على مقدمة الغضب وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " 1 " " إياكم وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه " قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من كثر ضحكه استخف به وذهب بهاؤه وقال بعض الحكماء : إياك والمشي في غير أدب ، والضحك من غير سبب . وقال بعض الشعراء : الكبر ذل والتواضع رفعة * والمزح والضحك الكثير سقوط والحرص فقر والقناعة عزة * واليأس من صنع الإله قنوط وقال آخر : فإياك إياك المزاح فإنه * يجرى عليك الطفل والدنس النذلا ويذهب ماء الوجه بعد بهائه * ويورثه من بعد عزته ذلا وقال محمود الوراق : تلقى الفتى أخاه وخدنه * في لحن منطقه بما لا يغفر
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 2305 ) وأحمد ( 2 / 310 ) من طريق الحسن عن أبي هريرة ، وأعله الترمذي بالانقطاع بين الحسن وأبي هريرة فهو لم يسمع منه ، وأشار إلى أن الحديث يروى عن الحسن قوله . وقد أخرجه ابن ماجة ( 4193 ) من طريق آخر ، قال في الزوائد : إسناده صحيح ، رجاله ثقات ا ه . وأخرجه أيضا ( 4217 ) من طريق ثالث ، قال في الزوائد : إسناده حسن .